ملحقة إلكترونية لجريدة الواحة الورقية - N° de Presse : 5/96 - Dépot légal n° : 181/96 - ISSN 720/1114
شريط الأخبار

حدث وطني : حوادث دامية، ومظاهرات صاخبة طالب فيها المكناسيون عام 1955 م المقيم العام بإرجاع جلالة المغفور له محمد الخامس إلى وطنه وتسوية مشكل العرش

حوادث دامية، ومظاهرات صاخبة طالب فيها المكناسيون عام 1955 م المقيم العام بإرجاع جلالة المغفور له محمد الخامس إلى وطنه وتسوية مشكل العرش

 

ضربت مكناس بسهم وافر في ميدان الحركة الوطنية، وتألق في سمائها أعلام افداد حملوا عن جدارة واستحقاق لواء  المقاومة سواء على المستوى البطولي أم على المستوى الفكري والثقافي، ويكفي أن نذكر من هؤلاء شيخ الزاوية التيجانية بمكناس وخطيب مسجدها الأعظم محمد بن قاسم بصري الذي احتج على الظهير البربري والفقيه العلامة محمد غازي العمود الفقري لحزب الاستقلال والعلامة الأديب محمد برادة الرائد في حزب الشورى ، واليد اليمنى لمحمد بن الحسن الوزاني.وقد اختصت مكناس وذاعت شهرتها في الحقل الوطني بإشعالها لفتيل الكفاح والنضال ضد الاحتلال الفرنسي ، في حدثين بارزين : أولهما معركة وادي بوفكران التي كانت عام  1937 م وثانيهما حدث استقبال المقيم العام كرنفال الذي رافقته حوادث دامية، ومظاهرات صاخبة طالب فيها المكناسيون  عام 1955 م المقيم العام بإرجاع جلالة المغفور له محمد الخامس إلى وطنه وتسوية مشكل العرش.

ونظرا لأهمية الحدث، فإنه يسرنا أن نعيد نشر التغطية الصحافية التي أنجزها حول هذه الانتفاضة الفقيه العلامة المؤرخ المرحوم الشريف محمد بن الطيب أخ العرب الوزاني الذي كان يوم ذاك المراسل الرسمي لجريدة *السعادة * بمكناس، فتحت عنوان * الشعب المكناسي  يستقبل المقيم العام بحرارة وحماس ، مظاهرات دامية وحوادث عنيفة أسفرت عن قتلى وجرحى ، يوثق هذا الصحافي المقتدر لهذه المظاهرة بأمانة وصدق، علما أن النص الذي نقدمه اليوم لقرائنا الأعزاء غني بمعطياته الدلالية ، وحقائقه التاريخية وبالمناسبة فإننا قد أرفقنا المقال بصورة للمراسل المذكور  وقد ليس جلبابه الأسود، احتجاجا على نفي السلطان محمد الخامس، وهو يباشر عمله الصحافي  عام 1955 م بساحة الهديم التاريخية أمام التحفة الفنية الفاتنة بباب منصور العلج.

والجدير بالذكر، أن المرحوم سيدي محمد بن الطيب أخ العرب كان يعد قيدوم الصحافيين بالعاصمة الإسماعيلية.

 

شاهدت مدينة مكناس يوما في تاريخ حياتها لم يتقدم له نظير، يوم فرح وابتهاج بمقدم مجادة السفير ألم جلبيركرانفال، فلقد عبر الشعب المكناسي عن عواطفه وشعوره بكامل الحرية وكامل الصراحة، كما برهن عن آماله وشدة تعلقه بالمقيم الجديد والحكومة الفرنسية الحالية لترجع لهم السلطان السابق، وتحل مشكلة العرش المعقدة، وترضي المطامح المغربية، كما برهنوا على أن جو الصداقة الفرنسية المغربية لا زال سالما متماسك الحلقات، لا يمكن فهمها متى عمل كل شعب لصالح الآخر، أجل لقد أظهر الشعب المكناسي في هذا اليوم ما لم يكن في الحسبان، فبقدر ما أظهر من كامل الزينة ومعامل الفرح، من زهور ورياحين وأعلام، وفتيات سافرات، ونساء باديات، ولافتات منمقة واعلام مزركشة، أظهر شعورا كبيرا ووطنية حارة، فلا تسمع إلا الهتافات العالية، والنداءات الحارة، والزغاريد النسوية، أينما توجهت أو اتجهت، مع ترديد أناشيد حامية ملتهبة وقطع شعبية ملحونة، بأنغام مصطنعة مؤنقة.

ولكن هذا اليوم كان من جهة أخرى يوم آلام وحزن، فقد تبلبلت فيه الأفكار وهاجت فيه العقول بصفة لم يتصورها أي أحد، فقد خرج متظاهرون عن الحد الإنساني، وقوانين اللياقة البشرية، فبقدر ما كان من ضغط على المكناسيين لملازمة الهدوء والسكون بقدر ما كان انفجارهم في هذا اليوم، فقبل دخول مجادة المقيم وقعت عدة حوادث كادت تفسد حفلات الاستقبال ، وأطلق الرصاص على متظاهرين حاولوا  إثارة الفتن إذ قبل دخول المقيم مات ثلاثة أشخاص في ناحية باب زين العابدين، وجرح ستة وبعد دخوله كانت المصيبة أدهى وأمر حيث انتشر المتظاهرون حاملين الأعلام المغربية، والفتيات الجميلات بعضهن على الأعناق، وبعضهن فوق الخيل والبغال مواصلين هتافاتهم ونداءاتهم يجوبون المدينة طولا وعرضا، وأضرموا عدة حرائق في متاجر الدخان وحطموا عدة متاجر أخرى لأسباب خافية ، ولعب الرصاص في هذه المظاهرات أدوارا هامة ولولا الاحتياطات اللازمة والجنود التي كانت تحيط بالمدينة لتفاقم الخطب واختلط الخرق على الراقع ، وإليكم بعض التفاصيل عن حفلات ومآسي هذا اليوم.

في الصباح الباكر بدأت وفود الأحزاب الوطنية تتقاطر على ساحة الهديم لتنظيم الحفلات، واخذ المراكز بجانب الطريق التي يمر منها مجادة المقيم العام ، ومع كل فريق عدد من الفتيات والسيدات سافرات، كاد في أول الأمر يفوق عدد الرجال، وكل فتاة تحمل إما علما مغربيا أو باقة من الزهور رائعة، وبعد ذلك احتشدت جموع من الشباب من مختلف الجهات بأطراف الطريق ثم على الساعة السابعة ونصف تقريبا وصلت فرق من الرماة المغاربة ومن اللفيف الأجنبي، وأخذوا مصافهم من شارع سيدي سعيد إلى باب أبي عمائر كما وزعت الشرطة أمام منافذ المدينة وقبالة صفوف المقتبلين ، والكل في هدوء، تام، وكان نظام فرسان القبائل غاية.

وعلى الساعة الثامنة وصل أمام ساحة باب منصور العلماء والأعيان والولاة وقواد الناحية، وعلية الشعب المكناسي  وفرشت الساحة بالزرابي ووضعت فوقها موائد التمر والحليب واصطف رجال الشرطة وأعوان المحكمة الباشوية وكان المصورون يلتقطون المناظر والصحفيون يسجلون النقط، وإذا الجموع من قصبة سيدي عمر الحصيني تطوف وسط القصبة حاملة الرايات المغربية فحطمت أول شيء أسرات أو راش البناء التي بجانب المقبرة  وألصقت بالمعلمين أضرارا فادحة وبدأت ترغم كل جماعة مرت عليها لتتبعها، وتوجهن نحو المرس ونزلت إلى باب أبي عمائر وانضم إليها عدد عديد من سكان روى امزيل، وتوجهت نحو ساحة الهديم متظاهرة منادية بحياة سيدي محمد بن يوسف وبحياة المقيم العام فلم تلاق في طريقها أية مقاومة ولا معارضة حيث أظهر رجال الشرطة من الرزانة والتعقل ما دل على توصيتهم ولكن مرور هذه القافلة بلبل الأفكار، وأحدث هيجانا في صفوف المقتبلين وتغير الموقف وتبدلت الحالة وفي هذه الأثناء وقع اصطدام بين المتظاهرين وبين رجال الشرطة دون أن تعرف الأسباب الحقيقية، فسقط قتلى وجرحى.

وعلى الساعة الثامنة وأربعين دقيقة وصل موكب مجادة المقيم إلى مدينة مكناس فاستقبله حاكم الناحية وسعادة الباشا، وكبار ولاة الناحية،أعرب له سعادة الباشا عن سرور الشعب المكناسي وابتهاجه بمقدمه الميمون ورحب به ترحيبا جما ، وكان بمعية مجادة المقيم القائد الأعلى للجنود بالمغرب الجنرال ديفال، ومدير الداخلية للجنرال لوبلان، وبعد هنيهة تألف الموكب المقيمي وتوجه نحو ساحة الهديم ، وبوصوله رفعت الرايات وعلت الهتافات الحارة والنداءات العالية كما ارتفع صوت الأبواق والمزامير ونقر الطبول مع التصفيق الحاد المتواصل ، في هذا الجو الصاخب لم يتمكن مجادة المقيم من الاتصال بالفتيات ولا من تقبيل باقات الأزهار، بل وقف مترجلا في وسط الساحة وتقدم إليه سعادة الباشا وقدم إليه التمر والحليب كالعادة، وجدد له عبارة الترحيب بكلمة ارتجالية جاء فيها قوله:

_(مجادة المقيم العام، هذا يوم مبارك سعيد، ابتهجت له القلوب، وانشرحت له الصدور وتجلت فيه المسرة بجميع مظاهرها، إننا يا مجادة السفير منذ قدمتم إلى المغرب ووطئتم ترابه والشعب المكناسي يحن لقدومكم وينتظر رؤية محياكم، فمرحبا بكم والرجاء الذي يخامرنا ، ويخامر كل مغربي هو التعجيل بوضع حل لهذه الحالة مع مراعاة مصالح المغرب العليا ومطامح المغاربة.

فأجابه مجادة المقيم :(أشكركم على هذا الاستقبال الحار الذي قابلتموني به والسرور العظيم الذي عبرتم لي عنه، وإذا كانت أعناقكم مشرئبة إلى قدومي إلى حضرتكم منذ مجيئي فأنا كذلك مشتاق لزيارتكم واعلموا بان مهمتي شاقة وصعبة وما نريده منكم هو الهدوء والسكينة لنتوصل إلى الهدف المنشود.

ورغم أن الموقف كان حرجا فإن باقات الزهور تواردت عليه وقدمت له باقة تحيط بها صورة سيدي محمد بن يوسف، وبخفة امتطى جنابه سيارته وتألق الموكب من جديد أحاط  به رجال الشرطة، ولكن في هذه الآونة اندثر النظام وتمكن المغاربة من وصول سيارة المقيم العام، وأحاطوا به إحاطة السوار بالمعصم وعزلوها عن بقية الموكب وبدأوا يهتفون بحياته وحياة سيدي محمد بن يوسف وينشرون الزهور والرياحين على مجادة المقيم وهو رغم تأثره بذلك كان يقابلهم ويصافحهم ويشير عليهم بالهدوء، وهكذا صارت السيارة المقيمة في وسط خضم من النسمات البشرية ، مارة على باب عيسى فشارع باب الزموري فدار السمن، حيث استفحل الأمر وحاول كل واحد الوصول إلى السيارة والسلام على مجادة المقيم فتقدمت فرقة من الجنود كانت هناك وحاولت الإفراج على المقيم وفعلا انفلتت من بين يد المتظاهرين السيارة المقيمة ووقعت فيها كوكبة من تلك الجنود طوقهم المتظاهرون وانهالوا عليهم بالضرب ، فجاءت نجدة من رجال الشرطة لإنقاذهم وهناك جرح ثلاثة من رجال الشرطة وأطلق الرصاص في السماء، لأجل تشتيت تلك الجموع وألقى رجال الشرطة القنابل المسيلة للدموع ولا نعلم  عدد ضحايا الواقعة.

وفي الوقت الذي توجه فيه الموكب المقيمي للمدينة الجديدة قاصدا قصر الناحية نزل المتظاهرون إلى وسط المدينة الأهلية وطافوا في طرقها وعتوا فيها فسادا وأوقدوا النيران في متاجر وكسروا زجاج واجهات وحطموا سيارات ونالوا من كل شخصية بارزة بالسب والشتم والضرب وهم يصيحون بهتافاتهم، كل هذا والرجال والنساء معهم مبتهلون وربات الحجاب وذوات البيوتات في أعلى السطوح يزغردن ويولولن.

هذا وقد شيعت جنازة الضحايا في موكب عظيم قوامه آلاف مؤلفة من الخلق، وسارت الجنازة بعد الصلاة عليها في المسجد الأعظم في خشوع وصمت، وفي المسجد صعد المتظاهرون إلى منار المسجد الأعظم وعلقوا الراية المغربية وبدأوا يهتفون من هناك.

ولقد تألفت جموع من المتظاهرين من قرية سيدي بابا يقدر عددهم بنحو ألف نسمة وقصدوا المدينة الأهلية ولكن وجدوا في باب البرادعيين قوة من الجند مدججة بالسلاح ، فصدتهم عن الدخول فتوجهوا إلى جهة باب تزيمي فتصدت لهم قوة من الجند أيضا كانت رابطة في الحبول، فصدتهم عن الدخول إلى المدينة، ولولا لطف الله لكان هذا اليوم من الأيام السود في تاريخ مكناس، ولكن الله  سلم.

وهذا القليل من كثير، ولا يمكننا أن نعطي الآن أي تفصيل عن عدد الموتى وعدد الجرحى في مظاهرة المساء حيث خرج الجمهور خارج المدينة رجالا ونساء لدفن الضحايا ، ولا عن النجدات العسكرية التي جيء بها في هذا المساء لإخماد نار الفتن.

 

في يوم السبت ثالث عشر غشت، لفظ النفس الأخير السيد بوشتى بن رحال المجاطي من ايت بوخليف من سكان دائرة آزرو، كان مع قضاء الله وقدره جاء إلى مكناس وشارك في حفلات استقبال مجادة المقيم العام جيلبير كرانفال ولا ندري كيف أصابه الرصاص بجروح خطيرة مع انه في العقد السادس من عمره، ولكن لارد لما قضى الله به فقد حمل المسكين في سيارة الإسعاف إلى مستشفى البرج وبذل الأطباء قصارى جهودهم لإنقاذ حياته. واجروا له عملية جراحية وحقنوه بالأدوية المقوية والمعالجة، ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء اجلها فبعد قضاء ما يقرب من عشرين يوما على فراش المستشفى ، أجاب داعي الله  سبحانه وفارق هذه الحياة الفانية. وبمجرد وفاته أجرى عليه حزب الشورى والاستقلال الشعائر الدينية في ضريح الزاوية الاحمدية خارج باب البراد عيين، وما شاع هذا الخبر المحزن حتى خف خلق كثير من سكان المدينة، وأغلقت جل الدكاكين  وقصدوا الضريح الاحمدي وعندما التام الجمع شيعت جنازة هذا الشهيد في موكب مهيب، ومحفل رهيب ضم جميع طبقات الشعب المكناسي من سادة وسيدات وآنسات، يقدر عدد الجميع بأكثر من ألفين نسمة، وعلى جانب القبر في روضة الشهداء صلى عليه رئيس حزب الشورى والاستقلال الأستاذ الهلالي ثم اقبر في مرقده الأخير، وقد علمنا أن المسكين خلف زوجته وخمسة أولاد .

ورغم ان سعادة باشا مكناس السيد مختار بن حمو لازال ملازما للفراش، فإنه طلب منه أن يوجه نداء للشعب المكناسي المضطرب الأحوال لملازمة السكون والهدوء وعدم الإخلال بالأمن.

وفعلا استدعى جنابه في صباح يوم الأحد رابع عشر غشت الجاري عددا من علية المكناسيين وأفراد من مختلف طبقات الشعب من تجار وصناع وفلاحين، ونواب الحارات، وعملة وموظفين وغيرهم، وما دقت الساعة العاشرة والنصف حتى كان القصر الباشوي غاصا بالنسمات البشرية وشارك بالحضور جناب كاهية حاكم الناحية المفوض في الشؤون الحضرية، وجناب الكاتب العام للناحية وعندما التام الجمع قام جناب الكاتب الخاص الباشوي وألقى نص النداء  الموجه للشعب المكناسي وملخصه هو طلب الهدوء والسكينة واحترام القوانين والمحافظة على الأمن ، ويطلب منهم أن يوصوا أبناءهم ويعلنوا للناس هذه الرغبة الملحة، ويتضمن نص النداء أن سعادة الباشا لا يهمه غلا السهر على راحة المكناسيين وسلامتهم. وأن كل ما ألم بهم وأصابهم ألم به أصابه وأن الانحراف الذي طرأ عليه هو من جراء الحوادث الدامية الأخيرة  وأكد لهم بأنه مستعد لرفع كل طلب أو رغبة أو شكاية سواء للحكومة او عليها وبعدما فرغ الكاتب الخاص تقدم جناب الخليفة الباشوي السيد الحاج محمد بن المدني بناني، وفاه بكلمة ارتجالية تأسف في مستهلها على مرض الباشا ونوه به وبما يقوم به في صالح مكناس والمكناسيين، ورغب من الحاضرين أن يبلغوا الغائبين وان لا يخيبوا الرجاء وذكر بأن الحكومة الفرنسية قد أدركت المغزى وعلمت الحقيقة، وهي الآن بفضل ممثلها ومعونته قائمة على قدم وساق لحل المشكلة الشائكة وفي أقرب وقت ممكن ستنجلي الحقائق السارة، ويحصل الكل على الضالة المنشودة، والغاية المقصودة، ونظرا للظروف الحالية فإن سعادة الباشا أبى إلا أن يوجه لكم هذا النداء الواجب عليه حتى إذا صدر شيء لا تحمد عقباه يكون هو غير مسؤول عنه، وقد اعذر من انذر.

عن جريدة السعادة

 

 



مجموعة صور : حوادث دامية، ومظاهرات صاخبة طالب فيها المكناسيون عام 1955 م المقيم العام بإرجاع جلالة المغفور له محمد الخامس إلى وطنه وتسوية مشكل العرش