ملحقة إلكترونية لجريدة الواحة الورقية - N° de Presse : 5/96 - Dépot légal n° : 181/96 - ISSN 720/1114
شريط الأخبار

ثقافة و فن - فن : السيبر نطيقا والمسرح

السيبر نطيقا والمسرح

 

تتخوف الأستاذة أمل بنويس (1) من عدم قدرة الفن المغربي والمسرحي على الخصوص على مجارات التحولات الكبيرة التي يعرفها التعبير الفني بجميع فروعه في العالم . وهو تخوف متأخر جدا لأننا سبق وحذرنا من الوصول إلى ما نحن عليه في البيان الذي نشرناه سنة 1984 ( البيان الأول لمسرح التكامل ) (2) مثل العديد من الأصوات التي رفعت عالية تندد يومها بالرداءة من جميع أنحاء المغرب . ولكن العيون كانت مصابة بالعمى والآذان بالصمم وكان الجميع يتهافت من أجل الحصول على جزء من الطرطة الصغيرة التي بدأت الحكومات تبعا تقدمها للفنانين المغاربة، حتى يحتدم الصراع بين الفنانين الحقيقيين وأشباه الفنانين ومن ثم يضيع الفن الذي بدأ يشوش على النظام ...في سنة 1984 كان معظم الفنانين الشباب لم يولدوا بعد أو أن معظمهم لا يزالون أطفالا . فكم ناضل أعضاء لجنة المسرح المدرسي من أجل إقحام مادة المسرح في المناهج التربوية ، وكم ناضل التشكيليون من أجل إعادة النظر في تدريس الفنون التشكيلية بالمدارس المغربية والموسيقيون من أجل إدراج فنون الموسيقى في أسلاك التعليم . ولكن المسؤولون في وزارة التربية الوطنية وفي باقي الوزارات كانوا مشغولون بتأمين مستقبلهم ومستقبل ذريتهم حتى وصل مستوى التعليم في المعرب إلى ما هو عليه الآن .الفنانون الشباب المتواجدون اليوم في الساحة معظمهم درسوا بالمدارس العمومية المغربية وهم يمثلون نموذج من فئران مختبر وزارة التربية الوطنية . وفأر المختبر لا نهتم بما سوف يؤول إليه مصيره بعد التجربة ، نخضعه إلى تجربة فإن عاش بعدها نخضعه إلى أخرى وإن هلك فلن يغير ذلك شيء في الكون . وبالتالي فمعظم الشباب المتعلم بالمغرب اليوم لا يتوفرون على تكوين مقبول وأن الشهادات التي يتوفرون عليها ليست سوى شهادة فأر تجربة لا تأهلهم للانخراط في أي مجال من مجالات الحياة المعاصرة ، وعلى الخصوص مجال الفنون الذي كان ولا زال يتطلب كفاءات خاصة تفوق مؤهلات الفرد العادي من المجتمع . فكيف يمكن أن ينبثق من بين هؤلاء فنانون حقيقيون في مجتمع متخلف شعاره الرداءة . المجتمع المغربي اليوم يوجد على مسافة كبيرة جدا عن ركب الشعوب المتحضرة ، فمن المستحيل القفز على هذه الهوة التي تتسع كل يوم أكثر نظرا للسرعة التي يسير بها التطور في العالم ولأن المسؤول في المغرب لا يتمتع بأي نفحة من النخوة والوطنية ولأن اجتثاث الطحالب التي تمتص كل الطاقة التي يتهالك الكادحون من المواطنين الشرفاء على انتاجها أصبح من باب المستحيلات .في كتاب مسرح التكامل حاولنا إلقاء الضوء على جانب من المعرفة الواسعة الغير الرقمية التي يجهلها الفنان المغربي والتي أصبحت شائعة عند الفنان في الدول المتحضرة . وفي هذه العجالة سوف نحاول الإجابة على السؤال : لماذا يتوجب على الفنان المغربي التسلح بالمعرفة الجديدة ؟ ومن خلال ذلك نتطرق إلى مصدر هذه المعرفة  واحتكار التطور التكنولوجي والوسائط الرقمية الحديثة من طرف الغرب.  تقول الأستاذة أمل بنويس في مستهل مقالها ( الفن المسرحي والوسائط الرقمية أو – منعطفات ما بعد الدراما -)  : لم تعد جماليات المسرح اليوم تعتمد مبدأ المحاكاة ، بعد أن أعلن بودريار Baudrillard عن موت الواقع le réel وأفوله لصالح مبدأ الافتراض le virtuel(3). وهذا يؤكد ضحالة معرفة الفنان المسرحي المتعلم اليوم بالمغرب والتي تقتصر على الدراسات الأدبية ( أدب ، علم الاجتماع ، علم النفس الخ ... ) والتي يجب أن تتسع إلى باقي العلوم التي غدت هي الأخرى مجرد وسائل ووسائط للمعرفة ولم تبقى علوم مجردة مستقلة تتطور في معزل عما يحدث من التطور والتغيير من حولها . فلننظر إلى السيبرنطيقا la cybernétique  آخر الابتكارات العلمية التي أبدعها العقل البشري خلال النصف الثاني من القرن الماضي ، حيث وسائل التحليل لا تعتمد علما خاصا ولكنها تجعل من كل العلوم دون استثناء آلياتها للخوض في جميع المجالات ( إنسانية ، سياسية أو فكرية ، اجتماعية أو تكنولوجية  )، يمكن ترجمة مفهوم السيبرنطيقا  la cybernétique بعلم التحكم الآلي أو علم التحكم في النظم ، حية أو غير حية ، ثم ابتكارها سنة 1948 من طرف عالم الرياضيات الأمريكي نوربرت وينر Norbert Wiener  الذي يرى أن عالمنا اليوم يتكون من أنظمة حية وغير حية متداخلة ومتفاعلة فيما بينها ، وكأمثلة لهذه النظم : مجتمع ، اقتصاد ، شبكة حواسيب ، آلة ، خلية ، جسم ، مخ ، انسان ، نضام بيئي ألخ ... فالحواسيب وكل الآلات الذكية التي نعرفها اليوم هي نتاج وتطبيقات للسيبرنطيقا . كما أن السيبرنطيقا أمدتنا بوسائل هائلة للتحكم في نظامين مهمين : المجتمع والاقتصاد .

كل نظام سيبرنطيقي يمكن اعتباره كمجموعة من العناصر المتفاعلة وأن التفاعلات بين هذه العناصر تتجلى في تبادل للمادة ، الطاقة أو المعلومات . هذا التبادل يترتب عنه تواصل تتفاعل معه هذه العناصر وذلك بتغيير هيئتها أو تعديل لفعلها . فالتواصل والإشارة والمعلومة ورد الفعل كلها مبادئ مركزية بالنسبة للسيبرنطيقا وبالنسبة لكل النظم ، الكائنات الحية ، الآلات وشبكة آلات .عندما تتجمع عناصر على شكل نظام معين ، فإن التفاعل بين هذه العناصر يجعل مجموعة العناصر هذه تتحلى بخصائص لا يتوفر عليها أي عنصر منفرد من هذه المجموعة ، فنقول في هذه الحالة " أن الكل يفوق مجموعة الأجزاء " على سبيل المثال حيوان يمكن أن يتحلى بخصائص مثل : الركض ، الصيد ، الترقب ، الهجوم ألخ ... بحيث أن أعضاءه منفردة لا تتوفر على أي من هذه الخصائص . الخلية ، آلة ( الحاسوب مثلا يتوفر على مؤهلات تفوق مؤهلات كل مكوناته ) ، لذا فإن المقاربة السيبرنطقية لمفهوم " النظام " تتجلى في التحليل الشامل لعناصره وعلى الخصوص التفاعل فيما بينها . فالعناصر المكونة لكل نظام هي في تفاعل متبادل ، بحيث أن فعل كل عنصر تجاه عنصر آخر يفضي إلى رد فعل للثاني تجاه الأول . نقول في هذه الحالة أن هذين العنصرين تربطهما حلقة رد فعل . وتكون هذه الحلقة " موجبة " عندما يكون التحول المحدث من نفس قيمة اتجاه الفعل الأول ، والحلقات الموجبة هي حلقات تضخم الميولات ( الإيجاب يطلب الإيجاب والسلب يطلب السلب ) وتوازن نظام معين يتطلب عدد كاف من الحلقات السالبة بحيث إذا كان عنصرا x يقوم بتقوية عنصر آخر y ، فبالمقابل فإن هذه التقوية في y  يجب أن تؤدي إلى تناقص في x . من أمثلة النظم السيبرنطيقية الغير المتطورة : السخان الكهربائي . فهو يتكون من عنصرين مقاوم résistance أو مولد الحرارة وتيرموسطا thermostat  أو منظم الحرارة مرتبطين بحلقة سالبة . فعند ارتفاع درجة الحرارة في السخان تقوم التيرموسطا بقطع التيار الكهربائي على المقاوم يترتب عنه نزول لدرجة الحرارة فتسمح التيرموسطا بعودة التيار الكهربائي الذي تترتب عنه زيادة في درجة الحرارة ... فكل النظم السيبرنطيقية من خصائصها التنظيم الذاتي autorégulation ويجب أن تتحلى باستقرار في الزمن . فكل الأنظمة التي مصدرها الطبيعة (مثل نظام بيئي ، خلية أو كائن ) تتوفر على تنظيم ذاتي مثالي .

علم التحكم في المجتمعات

يمكن اعتبار السيبرنيطيقا علم في غاية الأهمية في عصر المعلومات والنظم المعقدة . فالتمكن من هذه الأنظمة المعقدة التي انشأها البشر يمكن من فهم النظام الطبيعي المعقد الذي هو المحيط الحيوي . وهذا يمثل أهم التحديات الكبرى للعلم في القرن 21 .

نوع المجتمعات التي تسود اليوم في البلاد الصناعية تنبثق مباشرة من تطبيقات علم التحكم الآلي la cybernétique  وأتمتة عمليات Robotisation des processus الإنتاج والشبكات المالية العالمية ، الأساليب الجديدة للإدارة وتنظيم الأعمال في الشركات وشبكات الاتصال وشبكات تكنولوجيا المعلومات ونظم الأسلحة الذكية الجديدة ...

عندما تم اختراع علم التحكم الآلي la cybernétique  ارتأت الحكومة الأمريكية تصنيفه " سري الدفاع " secret défense وبعد المعارضة التي أبداها نوربرت وينر Norbert Wiener  تم تعميم هذا العلم مع شيء من التحفظ بحيث اقتصر تداوله بين دوائر من المتخصصين جد محدودة . حاليا الكتب حول هذا العلم نادرة خارج العالم المتحضر ، حيث معظم الناس يجهلون ماهية السيبرنيطيقا بل يربطونها عرضا بكلمة سيبر cyber وألعاب الفيديو ...

كان نوربرت وينر Norbert Wiener  يعي جيدا آثار تطبيقات السيبرنيطيقا على المجتمع . ففي كتاب له نشر سنة 1950 يتوقع فيه نهاية العمل البشري والذي سوف تحل محله الآلات الذكية ، كما يحذر السياسيين من مغبة استخدام السيبرنيطقا دون التفكير في مرافقتها بتطوير الهياكل " ما بعد الصناعية " postindustrielle للمجتمع حيث يمكن للإنسان مؤخرا أن يصبح حرا عن مزاولة العمل . مما سوف يترتب عنه خطئا زيادة غير مسبوقة في البطالة والإقصاء الاجتماعي والذي سوف يؤدي في آخر المطاف إلى الانقراض التدريجي للديمقراطية . كما أوضح أن السيبرنيطيقا يمكن أيضا أن تكون مصدر إلهام إيجابي ومميز لاختراع نظام رأس مالي ذو وجه انساني يصالح بين الانسان ، الاقتصاد والبيئة .                                                                                       

 قبل السيبرنطيقا كان المسرح ولا يزال يرصد كل التغييرات التي تحدث في المجتمع . وحتى يحتفظ المسرح بهذه الغاية يتوجب على المسرحيين ( كتاب ، مخرجين ، ممثلين وتقنيين ) الغوص في بحر السيبرنطيقا لاكتساب أساليب العمل الجديدة . لقد كان المسرح يتعامل مع الواقع ، يحاكيه وينتقده . هذا الواقع اليوم انصهر ضمن العالم الافتراضي الذي تتحكم فيه آليات ونظم يتم برمجتها - عن بعد – وتتغير هذه البرامج تبعا لمصالح وأغراض أصحابها .                                                                                      يقول رولان بارت Roland Barthes في جواب له عن تعريف المسرح :                  " ماهو المسرح ؟ هوآلة من الآلات السيبرنطيقية ( آلة لإصدار الرسائل ، للتواصل ) عند السكون ، تكون هذه الآلة مخفية وراء الستار. ولكن بمجرد الكشف عنها تبدأ في إرسال مجموعة من الرسائل . هذه الرسائل تتوفر على طابع خاص ، فإن كانت تصدر في وقت واحد فإن لها إيقاعات مختلفة . ففي نقطة ما من زمان العرض فإنك تتوصل بعدد من المعلومات (انطلاقا من الديكور ، الملابس ، الإنارة ، موقع الممثلين ، محاكاتهم وأقوالهم) . بعض من هذه المعلومات يبقى ثابت ( الديكور مثلا ) بينما أخرى تتحول وتتغير ( الأقوال والحركات ) . إذن نحن نتعامل هنا مع سيل من المعلومات ، وهذا هو التمسرح ، تراكم سميك من الإشارات " . (4) نلاحظ أن رولان بارت كان يدرك مفعول السيبر نطيقا في مستهل الستينيات من القرن الماضي كما أنه مهد الطريق لمفهوم التمسرح الذي يتخذ اليوم مضامين لم يكن ليتصورها مسرحيو حقبة ما بعد الحداثة وفهم الآلة المسرحية والتطورات التي سوف تعرفها في ضل تطور علم التحكم الآلي السيبرنطيقا. 

 

1 – مجلة الفنون المغربية ، العدد 3 ، يونيو 2015

2 – مسرح التكامل / ص 156 / 2013

3 – مجلة الفنون ، العدد 3 ، يونيو 2015

4 – Roland Barthes, « Littérature et signification », Essais critiques, Paris, Seuil/Point, 1981 (1963), p.258          



مجموعة صور : السيبر نطيقا والمسرح