ملحقة إلكترونية لجريدة الواحة الورقية - N° de Presse : 5/96 - Dépot légal n° : 181/96 - ISSN 720/1114
شريط الأخبار

ثقافة و فن - شعر : لمقدس وظلاله بين السجلات اللغوية والتناص في ديوان من هاجر يأتي زمزمه للشاعر محمد شنوف بقلم الدكتورة الزهرة براهيم

لمقدس وظلاله بين السجلات اللغوية والتناص في ديوان من هاجر يأتي زمزمه للشاعر محمد شنوف بقلم الدكتورة الزهرة براهيم

 

في حديثه عن المحاكاة، اعتبر أرسطو أن الشعر مخايلة باللغة، معنى هذا أن لغز التحول في لعبة الكتابة، من لغة عادية إلى لغة فنية، ينبني بها وعبرها القول الشعري، جهد يقع على عاتق خيال المبدع، إليه توكل مهمة انتقاء مفرداته كما سياقات نظمها وتشكيل صورها حتى يكتمل تشييد عالم القصيدة بكل ما يحتدم داخله من مظهرات ومضمرات لغوية وتعبيرية لا تخون، افتراضا، مهمة تبليغ محمول ثقافي يراوح وجوده الجمالي وقيمته المعرفية بين عدة المتلقي العلمية لتأويل النص الشعري وبين الخلفية الثقافية للمبدع.سمعت قصائد الديوان حتى قبل أن تطبع وتنشر، فكانت ، كلما سمعتها تأسرني، ليس بطريقة إلقائها المتميزة، بل أيضا بسحر ما كان لي أن أتبين شفراته لو لم أحظ بها يوما مأسورة بين دفتي كتاب لأتعقب أسرار هذه الغيبوبة التي يدخلنا فيها الشاعر محمد شنوف كلم جلسنا أمامه مشدودين طوعا إلى روعة ما يقرأ.هذه المرة، قبل العبور إلى مدار القصيد، توقفت مليا أنصت إلى ما تقوله مقدمة الديوان بكل ما يتطلب طقس الوقوف من أدبيات التأمل في مكنوناتها لاسترفاد أفكار وآراء تكون معينا للتسرب أكثر وأعمق في مسارب النصوص والصور والخلفيات. يقول الدكتور محمد عفط، صاحب مقدمة الديوان: «ولقد جاءت قصائد الديوان مخترقة صفاء الموضوع، لتشكل كل قصيدة ملتقى علامات ورموز مختلفة الأصول ومتشعبة الامتدادات. وبذلك، كانت القصائد تشخيصا لحوار متعدد الحلقات وشاسع الآفاق، مع حرص شديد على الاحتفاظ للشعر بكل ألقه وجماله لغة وتصويرا وصوتا وموسيقى. وفي كل هذا يبدو واضحا استحضار متلق متباين الذائقة ومتعدد الحساسية مما جعل القصيدة نصا مفتوحا على احتمالات رؤيوية وجمالية لا تنتهي دون أن يكون ذلك متناقضا مع السمو بالقول الشعري إلى ما يليق به من مقام التقدير والتبجيلوانطلاقا من هذا القول، افترض نفسي متلقية استمالها ألق اللغة فسعت نحو مساءلة منابع الإشراق فيها التي ما تكاد تبهرك بتدفقها في قصيدة حتى تسلمك مشدوها إلى شعاع قصيدة غيرها. أقرأ وأعيد القراءة منصتة إلى وسامة النبرات والصيغ والألفاظ والأنساق، وأتهيب من التصريح بأن روعة القول الشعري عند محمد شنوف تكمن في هذا العنصر أو ذاك دون سواه مهابة من حيف أوقعه لبسا تحت غواية الأثر.لا مناص في هذا الموقف من البحث عن مرجعية تسند توازن النظر في الديوان، وعدت إلى مفاتيح القراءة الشعرية الأصل للقصيد العربي وهما فصاحة القول وبلاغته.فإذا كانت الفصاحة في اللغة العربية صفةً تقع للكلمة وللمتكلم وللكلام، والبلاغة تأتي،فقط، صفة للمتكلم وللكلام دون الكلمة، فإن الكلمة الفصيحة تعني سلامتها من أربعة عيوب: 1-تنافر الحروف، 2-غرابة الاستعمال، 3-مخافة القياس، 4-الكراهة في السمع. كما أن فصاحة الكلام تعني خلوه من ستة عيوب: 1-تنافر الكلمات مجتمعة، 2-ضعف التأليف، 3-التعقيد اللفظي، 4-التعقيد المعنوي، 5-كثرة التكرار، 6-تتابع الإضافات.وحين نتحرى، بكثير من الإمعان، الكلمة والكلام في ديوان "من هاجر يأتي زمزمه" يبدو جليا أن محمد شنوف متكلم فصيح بلا مراء. وحين نتحول صوب المطلب البلاغي في قوله الشعري. فكلام شاعرنا بليغ وفق تعريف بلغاء العربية من حيث مطابقته لما يقتضيه حال الخطاب مع فصاحة ألفاظه "مفردها ومركبها". فحال الخطاب هو ما يسمى بـ "المقام" أي الأمر الحامل للمتكلم على أن يورد عبارة على صورة مخصوصة. والمقتضى، ويسمى "الاعتبار المناسب"، هو الصورة المخصوصة التي تورَد عليها العبارة. وليست البلاغة إذا منحصرة في إيجاد معان جليلة ولا في اختيار ألفاظ واضحة، بل هي تتناول مع هذين الأمرين أمرا ثالثا هو إيجاد أساليب مناسبة للتأليف بين تلك المعاني والألفاظ مما يكسبها قوة وجمالا.أما عن بلاغة المتكلم، فهي ملكة في النفس يقتدر بها صاحبها على تأليف كلام بليغ مطابق لمقتضى الحال مع فصاحته في أي معنى قصده. وتلك غاية، كما قال القدماء، لن يصل إليها إلا من أحاط بأساليب العرب خُبرا وعرف سنن تخاطبهم في منافراتهم، ومفاخراتهم، ومديحهم، وهجائهم، وشكرهم، واعتذارهم، وبالنسبة إلى شاعرنا، على وجه الخصوص، في غزلهم ونسيبهم، وهكذا، يلبس المتكلم لكل حال لبوسها ولكل مقام مقال.ليس أصدقُ تحققا لفصاحة اللغة العربية وبلاغتها من لغة القرآن، تصويرا ونظما، فهما وجهان لعملة واحدة بل لغاية واحدة هي الإبانة عن المعنى والإظهار له، كما يقول أبو هلال العسكري في كتابه "الصناعتين"، فكلاهما ترجعان إلى أصل واحد حتى أن الرازي في نهاية "الإيجاز" قال: "وأكثر البلغاء لا يكادون يفرقون بين الفصاحة والبلاغة". وقال الجوهري في كتاب "الصحاح": "الفصاحة هي البلاغة".من هذه العتبة المباركة، يلج محمد شنوف كون القصيدة سابحا طلقا فنَطْفَقُ، كقراء مريدين، جِثِيّا حول محراب عشق هذه اللغة والحلول في طقوس مقدسها الذي يتدفق زمزما بلاغيا تنسكب عذوبته من مقدسي كينونة الإنسان العربي: الشعر والقرآن.تستوقفني السجلات اللغوية وتوزعني على أكثر من مدار ومن عصر ومن مقام ومن شاعر نار على علم. في ديوان" من هاجر يأتي زمزمه" أحرجني محمد شنوف وأنا المتلقية المغمورة في حضرة شعراء عظام منهم الواقف المستوقف، والحكيم الهادئ والهجاء المندفع، والفارس المتأنف والمترفع العاتي، والعزيز المعتذر، والنزوي الآثم، والرقيق المتذلل، والعاشق المتغزل، والرومنسي الشفيف... كم جشمتني من التلعثم والارتباك في حضرة امرئ القيس وزهير والحطيئة وعنترة وقيس ليلى والمتنبي وأبي نواس وأبي فراس، وعبد الغني الحصري القيرواني، وإيليا ونزار... ماذا عساني أقول لهم وقد لهثت عبر هذا الديوان من جاهلية العرب حتى اللحظة؟ "أقول: خطيئتي إنني تجرأت، سذاجة أو جسارة، فورطت نفسي في قراءة ديوان لم يخرج إلى الوجود إلا بعد أن رضع صاحبه بنهم كل أثداء حسان العربية بدوها وحضرها، قديمها وحديثها، مدنسها ومقدسها، فاستوى ونما واستقام فاستهام؟"
لا يمكنك بدءا العبور إلى دوائر المعنى دون الحسم في معرفتك بمعجمه المتنازِع بين جزالة اللفظ واستقامته الغالبة على النسيج اللغوي للنصوص، لأن شاعرنا مهووس بالنموذج الشعري القديم لغة وصوغا وإيقاعا، وبين شرف المعنى وصحته. من تم، يصير لزاما على القارئ أن يفك مستغلقات لغة آتية من زمن سابق ما عادت متداولة في القريض راهنا، إلا أنها تعود في هذا الديوان لتثبت، من خلال استعمالات محمد شنوف لها، أن اللغة العربية لا يموت مجموع من مفرداتها إلا إذا نحن أهملناها واتهمناها غيًّا بكونها وحشية أو متجاوزة تحت إقصاءات التواصل اللغوي المعاصر، وهكذا يستعيد كلمات مثل (حدم السيف- الشوايا- وزيم- أوازم- أنضام- شوِل- حلس- يثفي مراجل- تهلمم- رشح قدر- جلمود- نضيض- الشؤبوب- شَموع الطبع- لفّاء- آطام) ليثبت أن الخلل أو الصعوبة لا يكمن في اللغة بقدر ما يقع وزر هجرها على عاتق مستعمليها.وعلى مستوى ثان، يطالعنا معجم لا يأتي من مخزون اللغة العام، وإنما يتدفق عابرا إلينا بعد أن يغتسل في كوثر النص المقدس فيحمل سره وسحره، لا ليتكرر بابتذال، بل ليحمل روحه أو نطفة منه تنسل كينونات شعرية مائزة: ( لا تذر- تدلى قطوفا- فواكه شتى- صدع- سبيلا- زلفى- الجنان- حرور- دان- الأحوى- إنس- جان- هزي بجذع- كؤوس دهاق- سلوى- مثاني- مرجنا- أجاج- الحور عين- شِرْك- تزاور الشمس- النسي- مشكاة- ضبحا- فلك يحملنا- وعد الصبح- الزبى- أسطر- نون- أقلام- لا شريك- الخلد- نجم- يهوي- معارج- قاب قوس- مقطعة يدها- رجما- حسان الخلد- استوقدت نارا- مستطير- شرر...)بهذه الطاقة المعجمية الحيوية تخفق أجنحة المبدع باتجاه عالمه الشعري يصوغ جماليات قوله من محفوظ مقدس، شعري وقرآني، لا تكاد تخلو منه قصيدة. ويتألق القصص القرآني خلفية باذخة تتيح كل إمكانات التجلي لما يعتمل في جواه من نزوات وشجنات وانفعالات ومعاناة، كما ينساب أثر النظم القرآني ليمنح النسج البلاغي روعة الاستعارات وشفيف الكنايات.
وهكذا نقرأ في قصيدة "جئت من حلم جفاني" 
أقبلي هزي بجذعي
أطعميني من دناني
و في قصيدة "لو أننا نلتقي"
تزاور الشمس كي لا الدهر يدركنا
ونحن نحرم في حلولنا السامي
ثم في قصيدة "من هاجر يأتي زمزمه"
لو كل مقطعة يدها
رجما بالكيد تجرمه
وأيضا في قصيدة "ملكتك الخلد"
أنفذتها مهجي نارا وما انقطعت
تهذي بها أسطري، نوني وأقلامي نرى كيف تشتغل، على سبيل المثال، قصة مريم وأهل الرقيم ويوسف والقلم، بوصفها نصوص غائبة، في هذه الاستعارات، وكيف يستوحي الشاعر حالات وجده وعذابه من تفاصيلها، وكيف يتفيأ الكلام الإنساني ظلال الكلام الرباني، معنى ولفظا، فيترشفها للكشف والبوح حينا، وللحلول والتسامي حينا آخر، والحاصل أن الصورة الشعرية لا تطفح في ابتذال على صفحة المعنى وإنما تتفتح مكينة من جذور ضاربة في عمق معرفة حصيفة بجوهر القول كما بشكله وموسيقاه. وإذا كان التناص، كما يقول د. جميل حمداوي: «من أهم المفاهيم النقدية التي اهتمت بها الشعرية الغربية وما بعد البنيوية والسيميائيات النصية، لما له من فعالية إجرائية في تفكيك النص وتركيبه، والتغلغل في أعماق النص ولاشعوره الإبداعي»، فإن مغامرة قراءة هذا الديوان لا تكون مضمونة الرغائب ما لم نمتلك سيرورات اشتغال هذا المفهوم بهدف افتحاص جسد القصائد وروحها.يستعيد محمد شنوف مُدركه-يقينه القرآني ليبث عبره ما لا تستطيع لغة البشر البوح به أو توصيله كما ينبغي، حتى أننا نحس نوعا من التماهي بينه وبين ذوات فو- بشرية، يقول:supra-humaine
وارتدي وهج الحنايا
دثريني في حصان
محرم لبيك أهدي
صلب جمرات الكيان
ما أظن الحور عين
منك إلا كالمثاني
في التداني منك شرك
لو عبدت، كنت ثان
ألم يُرفع الشعراء، في الثقافة الإنسانية يوما، إلى درجة الآلهة وأنصاف الآلهة والنبيئين والقديسين والسحرة؟ ثم، ألم تتهم قريش محمدا صلى الله عليه وسلم بكونه ساحرا أو شاعرا أو مجنونا؟ وإن من البيان لسحرا؟طقوس عشق ليلى في القصيد طقوس مبجلة ترتفع إلى فرائض العقيدة. فهي صلاة ونسك وتهجد وصدع وحلول ومشكاة ووعد جنان وإحرام وتلبية ورمي للجمرات وسعي بين الصفا والمروة... بل أكثر من ذلك، يتحول العاشق إلى إله يملك ليلاه الخلد،والعهدة على من وضع أختامه، يقول:
وليتك الروض أنثى لا شريك لها
ما ترتجيه غوان خبطُ أوهام
ليلاي فيك لذاذات المنى جمعت
ملكتك الخلد مرسوما بأختامي
وختاما، نخلص إلى أن ديوان محمد شنوف، في قصائده المختزلة وصفحاته المحسوبة، يظل متمنعا بين يدي قارئ لا يكنه ذبذبات الكلمات وأطياف الصور، و لا مناص من معرفة عالمة جادة تكشف مخزون القصيد الذي يظل معدن لألاء غائر في مسارب التأويل، كلما سبرناه بخشوع وإخلاص، كلما غنمنا نفائسه وتلذذنا بسحر مباغتة الاعتراف الشعري في خلواته المقدسة قصد الحلول فيها والفوز ببركتها. وهكذا، كما يقول الدكتور محمد عفط: «وأنت تقرأ القصائد، تحس أن صاحبها لم يكن همه ينحصر في إخراج قول من الجوى إلى الأرجاء، بل يتجاوز ذلك إلى أن يكون هذا القول مثيرا بعمقه إثارته بكلماته. من هنا تنبئ قصائد الديوان عن ذلك الحرص الشديد الذي ظل يلازم الشاعر على التناسب الرفيع بين انتقاء الكلمات وتأليفها الشعري بحيث يكون النص المجلى الصافي لهذا التناسب».

مكناس في 18 فبراير 2012

 



مجموعة صور : لمقدس وظلاله بين السجلات اللغوية والتناص في ديوان من هاجر يأتي زمزمه للشاعر محمد شنوف بقلم الدكتورة الزهرة براهيم