ملحقة إلكترونية لجريدة الواحة الورقية - N° de Presse : 5/96 - Dépot légal n° : 181/96 - ISSN 720/1114
شريط الأخبار

همسات أنتوية : القلق الوجودي وتشظي الكتابة قراءة في" كبسولايت لايت" للشاعر المغربي "إبراهيم قهوايجي" الباحثة المغربية : للا الهاشمية باباهاشم

القلق الوجودي وتشظي الكتابة قراءة في" كبسولايت لايت" للشاعر المغربي "إبراهيم قهوايجي" الباحثة المغربية : للا الهاشمية باباهاشم

 

"القلق الوجودي وتشظي الكتابة" عنوان نقصد به رسم دائرة  واضحة المعالم لقراءة تثير مجموعة من التساؤلات : ماهو القلق الوجودي ؟ وماهي الكتابة المتشظية ؟ ولماذا كبسولايت لايت ؟ وأية علاقة بين عناصر ومكونات هذا العنوان ؟

1-                 القلق الوجودي وتشظي الكتابة،  أية علاقة ؟

 تحدث العلماء والباحثون في مجال علم النفس عن "القلق" واعتبروه خوفا غير طبيعي، حيث سماه "فرويد" ووصفه بأنه :" إحساس شاذ سلبي، يشمل الشخصية كلها، ويعبر عن نفسه بصورة مرضية مختلفة ذات خصائص محددة."[1] فالقلق إذن في علم النفس حالة مرضية واضطراب نفسي، وهو بذلك يختلف عن القلق في بعده الفلسفي الذي يرتبط بالوجود والتحقق، وهو ما يسمى بالقلق الوجودي، الذي يشير في الفلسفة الوجودي إلى " أن هناك شعورا أساسيا يشعر به الإنسان، ناتجا عن كونه ملقى ومتروكا في هذا العالم، ومرغما على الاختيار، وأن هناك خطرا دائما يتهدد وجوده، فهو دائما وجها لوجه أمام نفسه، باعتباره لم يوجد بعد، وإنما سيوجد بواسطة الاختيار، والاختيار حرية ومخاطرة، وكل هذا يترافق مع الإحساس بلا عقلانية وضعيته الإنسانية وبعبثية حياته،  وبعض الفلاسفة أسموه القلق الميتافيزيقي، لأنه ناتج عن الإحساس بالسقوط والانحلال والموت."[2]

إن صميم التجربة الوجودية هو القلق، لأن معاناة القلق ملازمة لجميع لحظات التجربة في مختلف مفارقاتها وإشكالاتها الانفعالية والفكرية[3]، وبالتالي فالقلق ملازم فعلي للمرء لا يفارقه، تتحكم فيه نظرته الإستشرافية للمستقبل والبحث عن التحقق الفعلي للوجود.

وهذا القلق الوجودي والانشطار الروحي والتشظي الذاتي الذي صار يعيشه الإنسان العربي، خاصة الشاعر المعاصر، هو صورة للتمرد، احتجاجا على الظلم والاستعباد، والموت المجاني ، وما في الوجود من نقص سببه الإنسان، لا يمكن تمثيله بكتابة نسقية معتادة،  لأن الكتابة جزء من قضية الشاعر وموقفه، وعليه  فالقلق والتشظي لا يمكن إلا أن يولد كتابة قلقة متشظية، إذ من العبث تصوير عالم منهار بنص نسقي متماسك.

والكتابة المتشظية أو ما يعرف بالشذرة  تعد أسلوبا أدبيا مستحدثا في الساحة الثقافية على الرغم من وجوده في الكتابات التراثية العربية القديمة، خاصة الكتب  الصوفية و العرفانية ، كما  نجد له امتدادا عميقا أيضا في الفلسفة اليونانية، وبالضبط عند فلاسفة ما قبل سقراط الذين اهتموا بالطبيعة الكونية أمثال طاليس وفيتاغوراس، إلا أن" كتاباتهم في الطبيعة قد ضاعت جلها أولم تدون كتابة، فلم يصلنا منها سوى شذرات متفرقة ومتقطعة تفتقد متنها النصي الكلي، ومن ثم فهذه الشذرات المنقولة عبارة عن جملة واحدة أو جملتين أو عدة جمل لا تشكل متنا نصيا، وقد تعرضت هذه الشذرات للنحل والتزييف والتحوير، مما جعلها تفقد معناها الفلسفي الحقيقي."[4]

وقد ارتبطت الكتابة المتشظية  بالقلق الوجودي منذ الفلاسفة اليونان إلى يومنا هذا، وانتقلت  حديثا إلى الشعر الحديث المعاصر فانصهرت في القصيدة النثرية كما عند أدونيس ودرويش ومحمد الأشعري، لتستقل بعد ذلك كجنس لا قوانين له ، يتأرجح بين الشعر والفلسفة وبين الشعور واللا شعور وبين الصحوة والهذيان،  إنها  كتابة السؤال واللاجواب، أو بتعبير جميل حمداوي" عالم يحن إلى بدء جديد"[5] ، وكما قال أحد الفلاسفة أيضا : فن يخاطب المستقبل والأجيال القادمة، و قد يظل معاصروه عاجزين في أغلب الأحيان عن فهمه أو تقبله، ولهذا اختار كثير من الفلاسفة والمتصوفة هذه الطريقة المتشظية في التعبير لأنها تنم عن حرية في الكتابة ورغبة في الانفلات من الإكراهات التي يفرضها كل فكر فلسفي نسقي صارم، بمعنى أن الكتابة المتشظية كتابة تفسخ وتفكك واختلاف وثورة وقلق.[6] والسؤال المطروح هنا : هل استطاعت الكتابة المتشظية استيعاب القلق الوجودي الذي يعيشه الشاعر ؟ وماهي أهم تمظهراته "في كبسولايت لايت"

2-                 مظاهر القلق الوجودي وتحققات التشظي في كبسولايت لايت:

"كبسولايت لايت" رغم أن  صاحبها يسميها  شعرا، فالقارئ لهذا الكتاب يحتار في تصنيفه ، حيث يجد نفسه أمام عالم تخيلي يكسر أفق انتظاره: كلمات متقطعة على صفحات يملؤها البياض والفراغ ،لا مقدمة في الكتاب ولا إهداء ،ولا فخ ينصبه الشاعر ليوقع بالقارئ ويوجه قراءته، إنها حرية متاحة أمام القارئ ليحتكم بما يسعفه من آليات القراءة لفك أيقوناته وملء فراغ البياضات المرصعة، وهكذا يتحول القلق من بؤرة للكتابة إلى سؤال للقراءة ، يطرح الأسئلة أكثر مما يطرح أجوبة .

ولعل عنوان الكتاب يعترف للقارئ  منذ الوهلة الأولى بهذا القلق الوجودي والتشظي الروحي، ويقدم نفسه في شعلة مشحونة، اختزلتها لفظة "كبسولات لايت" التي تثير في القارئ فضول ولوج هذا العالم الأكثر ضياعا وتشظيا .

 إذا تأملنا فقرات الكتاب وجمله الشعرية المتشظية، التي يتقاطع فيها الشعري بالفلسفي والذاتي بالموضوعي، وأيضا بياضاتها التي  تتأرجح بين النطق والصمت، نجدها رغم تمردها على النسق المعتاد في الكتابة الشعرية، مصاغة بدقة فنية، قائمة على الإختزال والتفكك والتشذير والتقطيع ، وهي تعبر عن حالة القلق وأزمة الذات وتفككها في مجتمع ممزق مشحون بالتناقضات والمفرقات ، وهذا ما تجسده أول شذرة في الكتاب، يقول الشاعر:

" ألف.. باء..

راء..ألف..

هاء..ياء..

ميم..

    ماأنزلنا عليك الشعر لتشفى،

  بل لتخبو في القلق شموسا،

وتلبس ثوب الإحرام عريسا.."[7]

فإذا جمعنا هذه الحروف نتوصل لإسم " إبراهيم" وهو اسم الشاعر، ويشكل تمزيق  الشاعر لإسمه " ابراهيم"، معادلا للتمزيق الوجودي النفسي الذي يعيشه، فما انفصال أجزاء الاسم وتمزيق أوصاله إلا تعبيرا عن الزمن الشخصي الوجودي الممزق، وهو زمن اللاوجود  الفارغ من محتواه، والغير مندمج مع الزمن الاجتماعي ، لأن امتلاك الإسم هو امتلاك للمعنى والوجود ، وهذا التقطيع والتشظي هو اغتراب وتشظ روحي ناتج عن غياب الماهية والوجود الفعلي في الواقع، كما يرسم لنا أيضا موقع الأنا من وجودها المتسم بالنفي والقلق ، مما يعني غيابها الواقعي .

وإذا كان للقلق الوجودي علاقة أيقونية  بالإقصاء والموت ، فها هي الذات الإبراهيمية  في موقع آخر تعبر عن انحلالها  وموتها بعد أن حققت وجودها المتحقق في خربشاتها ، يقول الشاعر : "إقصاء"

"عندما خربشت شعرا

نبت وردة على جبين الوقت

لكن بعض الصقور أدمتني.."[8]

هذا ونجد أن القلق الوجودي يتحقق في جل الجمل  المتشظية في الكتاب عن طريق آلية الحذف، التي يعد عند عبد القاهر الجرجاني أحد مظاهر الإعجاز حيث يقول في كتابه دلائل الإعجاز في هذا الباب "فإنك ترى أن ترك الذكر أفصح من الذكر والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة ،وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق وأتم ماتكون بيانا اذا لم تبن"[9]. وهذا الحذف الذي يتسم به هذا الكتاب لم يكن وليد هذه  الصيغة البلاغية  فقط بل هو حذف أملته  عليه ذات الشاعر التي اتسعت مساحة توجعها فأصبحت تمارس الحذف كألية للكتابة، لتعكس رغبتها الجامحة نحو حذف أجزاء من الوجود المادي من كيانها، أو من العالم بمكوناته المتشظية، يقول الشاعر في شذرة بعنوان:" عتمة.."

"أكل هذا السواد

وانت تكتب بقليل من بياض؟؟"[10]

إنه سؤال يولد أسئلة وأجوبة محذوفة تركت للقارئ، ليشارك التجربة، ويكمل بنيتها النصية ودلالاتها المتعددة، لعلنا نستطيع من خلالها حذف ومحو عتمة هذا السواد الذي يسود العالم.

وفي إطار القلق الوجودي استعار الشاعر إبراهيم قهوايجي من بنية الخطاب الصوفي القدرة على الإشارة والترميز فأصبحت عبارته  ومضة تحمل دلالات باطنية تعانق الظاهر لتلامس أبعادا خفية في الذات الناطقة القلقة، فلا نكاد بجد جملة  في الكتاب تخلو من هذه الاشارات  التي  تميل لتكثيف المعنى واختزاله ، وهو ما يوافق قولة الفيلسوف الأماني نيتشه " إن مرماي أن أقول في عشر جمل ما يقوله غيري في كتاب بأكمله".

وعليه، لقد حاول إبراهيم قهوايجي في كتابه الشعري  "كبسولايت لايث " البحث عن شكل جديد في الكتابة يستوعب ذلك القلق الوجودي الذي يكمنه، فكانت الكتابة المتشظة البديل  للتعبير عن هذه البعثرة والتشظي الذي يعيشه الإنسان المتعطش لتحققه الفعلي في الوجود، وتسجيل حضوره المتافزيقي عبر اللغة الشعرية .

المصادر والمراجع:

-          ابراهيم قهوايجي ، كبسولايت لايت، الطبعة الأولى 2015، مطبعو: بلال –فاس- المغرب.

-          د. كميل الحاج- الموسوعة الميسرة في الفكر الإسلامي والاجتماعي، ط1، 2000م، مكتبة لبنان ناشرون.

-          جون بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، منشورات دار مكتبة الحياة، د.ت.

-          عبد القاهر الجرجاني، دلائل الأعجاز، تح: السيد محمد رضا، دار المعرفة، بيروت، 1981

-          جميل حمداوي ، الفلسفة اليونانية وأنماط الكتابة، الطبعة الأولى 2006م، مكتبة المثقف الالكترونية.

 

-          جميل حمداوي، الكتابة الشذرية بين التنظير والتطبيق، شبكة مكتبة الألوكة.

 

-          و.ج. ماكبريد، الخوف ، ترجمة د. سيد محمد غانم، دار الفكر العربي، مصر، تقديم د. فؤاد السيد

 

الباحثة المغربية : للا الهاشمية باباهاشم



[1] - و.ج. ماكبريد، الخوف ، ترجمة د. سيد محمد غانم، دار الفكر العربي، مصر، تقديم د. فؤاد السيد. ص 14.

 

[2] -- د. كميل الحاج- الموسوعة الميسرة في الفكر الإسلامي والاجتماعي، ط1، 2000م، مكتبة لبنان ناشرون، ص. 455.

[3] - جون بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، منشورات دار مكتبة الحياة،د.ت، ص:11.

[4] - - جميل حمداوي ، الفلسفة اليونانية وأنماط الكتابة، الطبعة الأولى 2006م، مكتبة المثقف الالكترونية. ص:13.

[5] - جميل حمداوي، الكتابة الشذرية بين التنظير والتطبيق، شبكة مكتبة الألوكة، ص: 9

 

[6] -   جميل حمداوي ، نفسه والصفحة نفسها.

[7] - ابراهيم قهوايجي ، كبسولايت لايت، الطبعة الأولى 2015، مطبعو: بلال –فاس- المغرب. ص:3.

[8] - ابراهيم قهوايجي، نفسه :ص:23

[9] -->


مجموعة صور : القلق الوجودي وتشظي الكتابة قراءة في" كبسولايت لايت" للشاعر المغربي "إبراهيم قهوايجي" الباحثة المغربية : للا الهاشمية باباهاشم